المنتدى الاسلامي الثقافي العلمي الشامل

منتدى انصارومحبي ال محمد صلواة الله عليهم اجمعين
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم وبلغ ثوابها لصاحب العصر والزمان الامام الحجة ابن الحسن
قلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً)اللهم صل على محمد واله عددكلماتكpan>

شاطر | 
 

 الدرس الثالث في التاويل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مديرالمنتدى والمشرف العام
مديرالمنتدى والمشرف العام


عدد المساهمات : 905
تاريخ التسجيل : 14/08/2010

مُساهمةموضوع: الدرس الثالث في التاويل   2010-10-16, 19:40

المنهج


الركائز والعلاقة النسخية

عرفنا في العنوان السابق؛ بأن هناك تأكيدا من قبل رجال الوحي، أي الرسول وأئمة البيت النبوي، على ارتهان الفقه والفتوى لركائز أربع تمثل العدة المنهجية لعلم التأويل، التي يتسلح بها الفقيه المفتي في تعاطيه مع الخطاب فقها واستنباطا. فقول الرسول المتقدم: ((من أفتى الناس بالمقاييس فقد هلك وأهلك، ومن أفتى الناس وهو لا يعرف الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك))، يرسم لنا مشهدا نتمثل فيه الرسول وقد توجه إلى ملأ الأمة بالخطاب مشترطا الفتوى بالمعرفة بالناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، مما يدل أن استنباط الفتوى ممارسة منهجية عامة، لم تقتصر على فئة دون أخرى، لها شروطها العلمية المتحققة في تلك العناوين المنهجية التي تؤسس علم الفتوى وتمثل العدة المنهجية للاستنباط، ومن لا يتعاطى الاستنباط من خلالها، فانه يقع في البديل المخالف الذي يستند إلى اللامنهج الذي تمثله مقاييس الرأي .
هذه العدة المنهجية المتكونة في العناوين الأربعة هي التي تتحول إلى عنوانين اثنين، عندما يكشف الرسول(ص) إن المحكم هو الناسخ، والمتشابه هو المنسوخ. قال ذلك عندما سئل عن تفسير قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) 7/3، فقال(ص): ((المحكمات هن الناسخات والمتشابهات هن المنسوخات))، فهكذا نستنتج ان الفقه باعتباره علم لاستنباط الفتوى يرتكز على المحكم /المتشابه أو الناسخ/المنسوخ.
وإذا أردنا تحري دلالة المتشابه/ المحكم، فإن الإمام الصادق(ع) يُعرِّف المحكم بالقول: ((المحكم الثابت)) ، ولما كانت علاقة المتشابه بالمحكم على طرفي نقيض، فان تعريف المحكم بالثابت يحدد معنى المتشابه بالمضطرب والملتبس. أيضا يطرح الإمام الصادق(ع) تعريفا أخر بالقول: ((المتشابه ما أشتبه على جاهله))، أي ان المتشابه هو (المجهول) وهذا ما يعرف المحكم بالمعلوم. وذلك استنادا إلى أن أغلب التعاريف للمحكم والمتشابه تقتصر على تعريف أحدهما وتسكت عن الآخر، كما في التعريفين المتقدمين. وذلك بناء على أن العلاقة بين الطرفين هي علاقة تضاد. مما يجعل تعريف أحدهما هو تعريف للأخر ضمنا، باعتباره العكس. لذلك صار يكتفى بتعريف أحد طرفي العلاقة، يدل على ذلك من الكتاب قوله تعالى: (متشابها وغير متشابه)141/6، فالآية تعرف المتشابه والمحكم بأنه هو (المتشابه وغيره). فعندما نعرف المتشابه بالمجهول، فان ذلك يعرف مقابله المحكم بغيره، أي بالمعلوم، وعندما نعرف المحكم بالثابت، فذلك يعرف المتشابه بغيره، أي بالمضطرب. هذا ما يؤكده قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3، حيث صنف الخطاب القرآني الآيات صنفين ووضع الآيات المتشابهات في قبالة الأخر المحكمات، أم الكتاب. بينما عند الرجوع إلى قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون)70/2، نجد أن هناك تصنيف اخر فيه يوضع (المتشابه) في قبالة (المبين)، فبالمقارنة بين الخطابين يتضح أن المحكمات هن الآيات البينات، والمتشابهات غيرهن، أي غير البينات مما يعني أنهن الغامضات والمبهمات والمجملات.
ثم يسلط الرسول(ص) الضوء على العلاقة القائمة بين ركيزتي علم الفقه واستنباط الفتوى المحكم/ المتشابه. فأوضح إن العلاقة بينهما علاقة مرجعية، فيها يرجع الطرف الأصغر إلى الطرف الأكبر ، عندما قال(ص): ((إن في القرآن متشابها ومحكما فمن ردّ متشابهه إلى مُحكمه، فقد هُدي إلى صراط مستقيم)) ، يعزز ذلك دلالة الآية الآنفة: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) 7/3، فقد وصفت المحكمات بأم الكتاب، أي أصله، فالمحكمات هن أصول الكتاب. ولما كانت المتشابهات هن غيرها المعاكس، فإنها تعرف بفروع الكتاب. ووصف المحكم بالأصل والمتشابه بالفرع، يكشف ضرورة عودة الفرع إلى أصله. ولما عرفنا إن المتشابه هو المجهول، والمحكم هو المعلوم، فان ردّ أو إرجاع المتشابه إلى المحكم هو انتقال من المجهول إلى المعلوم ...
هذه العلاقة المرجعية تكشف عن علاقة تفاعلية بين المحكم والمتشابه، على ضوئها سمي التقسيم ذاته، أي المحكم/ المتشابه، بالناسخ/ المنسوخ، فالناسخ كلمة ترد على وزن فاعل، والمنسوخ كلمة ترد على وزن مفعول. فطرف العلاقة المتشابه يكون في موقع المفعول لانفعاله بالفاعل، بينما طرف العلاقة المحكم يكون في موضع الفاعل لفعله في المفعول. ولما كان النسخ ينتهي بالإحكام، كما يدل على ذلك قوله تعالى: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان [:التشابه] ثم يحكم الله آياته)52/22، أي أن عملية نسخ التشابه المتمثلة في القاءات الشيطان تنتهي إلى الإحكام. بعبارة أخرى، إن النسخ يعقبه الإحكام: (فينسخ ... ثم يُحْكِم). بهذا الخطاب القرآني تتكشف الآلية النسخية التي تتمخض عن علاقة الركائز الأربعة ببعضها: المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ، حيث ردّ المتشابه إلى المحكم يفضي إلى عملية تفاعلية يصطلح عليها بالنسخ.
ولتحقيق مفهوم النسخ نرجع الى المعجم اللغوي، فالنسخ كلمة ترد - في (لسان العرب) لابن منظور- بمعنى (الإبطال) فيقال: ((نسخت الشمس الظل، أي ابطلته)). والنسخ يأتي ايضا بمعنى (التثبيت)، كما في قولنا: ((نُسِخ الكتاب: أي كتبه وأثبته)). كذلك من معاني النسخ، في اللغة، ((تبديل الشيء من الشيء))، ايضا من معاني النسخ كما ينقل ابن منظور: ((نقل الشيء من مكان إلى مكان)). كل هذه المعاني اللغوية يوظفها التراث القرآني ويراكب بينها ليوجد منها تصورا يشرح مفهوم النسخ في القرآن، بالكيفة التالية: عندما ترد الاية المتشابه الى النظير المحكم، فان التشابه يبطل، وهذا يحقق المعنى الاول للنسخ، ويتزامن ابطال التشابه مع تثبيت الاية على وجه، وهذا يحقق المعنى الثاني للنسخ، ويترتب على ذلك في بعض الصور ابدال الكلمة المتشابهة بالكلمة المحكمة، وهذا يحقق المعنى الثالث للنسخ، وفي ابدال الكلمة باخرى نقل لتلك الكلمة من موضعها الى موضع اخر، وهذا يحقق المعنى الرابع للنسخ: ((نقل الشيء من مكان إلى مكان)). بل مفهوم النقل ايضا يجري عندما نقتطع مقطع من مكانه وننقله ليكمل مقطع اخر. وهكذا نكتشف ان كل الوجوه والمعاني التي تتصرف اليها كلمة (النسخ)- كما يطالعنا بها معجم (لسان العرب) لابن منظور- قد وظفت لتوصف لنا وجوه (النسخ) باعتبارها عنوان علم وممارسة منهجية، وهو ما يمتعنا بوضوح في الرؤية ودقة في الفهم لابعاد هذا المصطلح ..
يعزز هذا التنظير لمصطلح النسخ الواقع التطبيقي في تاريخ الإسلام، الذي نجد فيه الكثيرمن النماذج، مثال ذلك قراءة ابن عباس لقوله تعالى: (ما ننسخ من آية)106/2 اذ قرأها: (ما نبدل من آية)، واضعا (نبدل) بدل (ننسخ) استنادا للنظير المحكم: (وإذا بدلنا آية مكان آية)101/16. كما نجد النسخ بمعنى النقل في قراءة تلميذ الرسول أبي بن كعب: (كان الناس أمة واحدة [فاختلفوا] فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب)213/2 بإضافة (فاختلفوا). التي أخذت من آية مناظرة هي قوله تعالى: (وما كان الناس إلا أمه واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت)19/10، فنقلت كلمة (فاختلفوا) وألحقت بالآية النظيرة لتكمل وتُتِم المعنى وتنهي التشابه الناشئ عن الجهل بسبب بعثة الأنبياء.
وهكذا يتبين الفرق بين المحكم/المتشابه من جهة، والناسخ/ المنسوخ من جهة أخرى، ويمكننا تعليل الفائدة المرجوة من تعدد عناوين حقيقة واحدة، بإيضاح أن عنوان المحكم/المتشابه يقسم الآيات القرآنية من ناحية الوضوح والغموض، من جهة، بينما عنوان الناسخ/ المنسوخ يقسم الآيات القرآنية من ناحية الفاعلية، الفاعل والمفعول، من جهة اخرى. فيلقي الضوء على العلاقة التفاعلية بين العنوانين، التي فيها يرجع المتشابه باعتباره فرعا مفعولا به إلى المحكم بوصفه أصلا فاعلا، ليحدث تفاعل ينتج عنه نسخ التشابه، وإحكام الآية في وجه من وجوهها، يعبر عن طور تنمو فيه. أي ان الإدراك عندما يواجه الآية المتشابهة التي يلاقي مشكلة في كشف معناها، يستعين بدلالة العنوان التفاعلي أو التناسخي، ليتساءل عن الناسخ، الذي تمثله الآية النظيرة المحكمة، لتوظفه في إبطال التشابه والتحول منه إلى عنوان المحكم.
ولكن السؤال: كيف نرد الفرع المتشابه/المنسوخ إلى الأصل المحكم/الناسخ؟! أو بعبارة أخرى: كيف نستدل على الآية المحكمة التي تنفي تشابه الآية المتشابهة؟!
نجد الإجابة في الخبر المروي عن عمر بن حنظله عن أبي عبدالله (ع) في قول الله عز وجل: (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)43/13، قال: فلما رآني اتبع هذا وأشباهه من الكتاب، ‎قال: ((حسبك كل شيء في الكتاب من فاتحته إلى خاتمته مثل هذا في الأئمة عني به)). هذا الخبر يتعرض لمشهد يتضح فيه وعي ابن حنظله تلميذ مدرسة التأويل بظاهرة تناظر آيات الخطاب القرآني. وذلك من خلال استثماره في تعقب أشباه الآية: (قل كفى بالله شهيداً)، التي تشير إلى من عنده علم الكتاب، وتسميه شاهداً، والشاهد بمعنى (الإمام) كما في قوله تعالى: (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)143/2، وهي الآية التي تناظر الآية التي يبحثها ابن حنظله، تناظرها عندما تلتقي معها في كلمة (شهيدا)، فالتناظر بين آيات الخطاب القرآني هو تناظر لفظي وقد يكون تناظرا معنويا، أي يرتبط بالمعنى. فابن حنظله يسعى لتأليف رؤية في الإمامة بتتبعه وتعقبه أشباه الآية الآنفة، والإمام الصادق يلتفت إلى العملية التأويلية التي يرومها ابن حنظلة بقراءته للقرآن تتبعاً، فيصادق عليها، بقوله: ((حسبك كل شيء في الكتاب من فاتحته إلى خاتمته مثل هذا فهو في الأئمة عنى به))، فالإمام يشير هنا إلى التماثل، وقبله ابن حنظله يشير إليه، بقول: ((اتبع هذا وأشباهه من الكتاب))، فهنا يكشف عن رؤية في المنهج، على غاية من الأهمية، وهي أن الآيات المناظرة للآية المبحوثة، والمتبعثرة على امتداد القرآن من أوله إلى آخره، تنتمي بدليل تماثلها لموضوع واحد. وتبعثرها يفرض الحاجة إلى تتبع أو استقراء تلك المتماثلات القرآنية لجمعها ونظمها في خطاب تتعاقب فيه الآيات، فتتلو الآيات المتشابهات بالنظائر المحكمات، لتقدم رؤية قرآنية موحدة في الموضوع المبحوث.
وعن المتشابه بمعنى المتناظر، وما يؤسس له من منطق مقارن، يقول الإمام الصادق(ع): ((المتشابه الذي يشبه بعضه بعضاً))، فهنا المتشابه يطرح بمعنى النظير المماثل وليس المتشابه بمعنى غير المبين، والملتبس غير الواضح، الذي قال عنه من قبل: ((المتشابه ما اشتبه على جاهله)). ويقصد من التناظر التقاء آيتين قرآنيتين من خلال اشتراكهما في لفظة مثل (جاء)، فيكون التناظر بين الخطابين لفظيا، او من خلال التقاءهم في معنى، مثلا ان يكون في احد الخطابين كلمة (جاء) وفي الخطاب الثاني كلمة (أتى)، فهنا التناظر في المعنى، فهو تناظر معنوي. ولا تعطى اهمية للصيغة، التي يأتي فيها التناظر، فالتتبع ينصب على جذر الكلمة، فعندما نتتبع التناظر في كلمة (علم) فان التتبع يشمل كل اشتقاقات وصيغ هذه الكلمة: (علم، علمه، علمتك، علمي، يعلم، علام، تعلمون، علماء، ... الخ). هذا ما يقصد بالتناظر المعنوي الذي يقع في قبالة التناظر اللفظي.
إلا أن رد الآيات المتشابهات والمتماثلات والمتناظرات إلى بعضها ينبغي أن يأخذ في اعتباره لحاظ آخر، هو أن يرد المتشابه إلى النظير الناسخ للتشابه، وليس إلي أي نظير، أي أن تعقّب التناظر يحتاج إلى الاستهداء بالعقل، وهو الضابط الذي يؤكده الإمام الرضا راويا عن جده الرسول (ص): ((إن في القرآن محكماً ومتشابهاً، فمن ردّ المتشابه إلى المحكم فقد هُدى إلى صراط مستقيم، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ فِي أَخْبَارِنَا مُحْكَماً كَمُحْكَمِ الْقُرْآنِ، وَمُتَشَابِهاً كَمُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، فَرُدُّوا مُتَشَابِهَهَا إلى مُحْكَمِهَا ولَا تَتَّبِعُوا مُتَشَابِهَهَا دُونَ مُحْكَمِهَا فَتَضِلُّوا))، فهذا الحديث يلقي الضوء على ان ما قام به ابن حنظله، حيث إتباعه للآية المشار إليها وأشباهها، يتم في إطار إلحاق المتشابه بالنظير المحكم له: ((فلا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا))، فهذا النمط من التتبع المتقيد بهذا الأمر يكفل للبحث أن يرد الآيات المتشابهات إلى النظائر والأشباه التي تنسخ التشابه وتحكم وجه الآية، وليس إلى أي نظير من النظائر كيفما اتفق، حتى لا تقع العملية في الضلال.
يدل على ذلك خبر ابن الكواء مع الإمام علي: ((قال [ابن الكواء:] يا أمير المؤمنين وجدت كتاب الله ينقض بعضه بعضا!! قال: ثكلتك أمك! يا ابن الكواء كتاب الله يصدق بعضه بعضا ولا ينقض بعضه بعضا! فسل عما بدا لك. قال: يا أمير المؤمنين! سمعته يقول: (ِرَبِّ الْمَشارِقِ والْمَغارِبِ) وقال في آية أخرى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ)، وقال في آية أخرى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ). قال: ثكلتك أمك! يا ابن الكواء! هذا المشرق وهذا المغرب، وأما قوله: (رب المشرقين ورب المغربين)، فإن مشرق الشتاء على حدة ومشرق الصيف على حدة، أ ما تعرف بذلك من قرب الشمس وبعدها، وأما قوله: (رب المشارق والمغارب) فإن لها ثلاثمائة وستين برجا تطلع كل يوم من برج وتغيب في آخر، فلا تعود إليه إلا من قابل في ذلك اليوم )).
فنلاحظ على هذا التطبيق التأويلي الذي يقوم به ابن الكواء انه يَحْمل معالم المنهج، فهو انتقل من الآية إلى نظائرها، حيث كلها تحتوي على كلمتي (المشرق) و(المغرب)، محاولا أن يستدل على المثل بشبهه، وان يفسر القرآن بالقرآن، إلا إن الإشكال الذي يقع فيه تطبيقه، انه لم يرجع الآية التي يطْلع بها البحث، المصطلح عليها بالآية المطلع، والتي اعتراها التشابه، لم يرجعها إلى النظير المحكم الناسخ للتشابه، وإنما أرجعها إلى نظائر لا تفسرها، ولا ترتبط بها بعلاقة متشابه بمحكم، مما جعله أمام مجموعة من الآيات المتماثلات والمتشابهات، وجعل عمله يتبدى وكأنه ضرب بعض القرآن ببعض، وأظهر الخطاب وكأن مكوناته تختلف وتتهافت، مما يبطل معجزة الكتاب، وهذا ما حذر منه الحديث المتقدم: ((فلا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا))، لما يفضي إليه ذلك التضارب من كفر وضلال، وقد ورد في الحديث: ((ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلا كفر)).
فكان من الأجدر بابن الكواء أن يرد المتشابه: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ)، إلى النظير المحكم الذي ينسخ التشابه ويحكم وجه الآية، وليس إلى أي نظير، ذلك النظير المحكم هو المتمثل في النظير: (يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين)38/43. الذي يوضح أن هناك تباعدا ومسافة بين المشرق والمشرق الآخر، مما يكشف عن وجود حركة ظاهرية للشمس تولد ظاهرة المشرقين، وإذا تصورنا وجود هذا التباعد بين كل مشرقين، فان ذلك يفسر قوله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ). مما يعبر عن وجود حركة مستمرة تولد ظاهرة المشارق والمغارب: (رب المشارق والمغارب). فالآية المشار إليها هي من الآيات المحكمات للبحث، ففوتها ابن الكواء فترتب على ذلك أن وقع بحثه في التشابه، وظهر جمعه للآيات بمثابة، لعب عيال، يقوم على جمع النظائر وحسب، دون إعمال العقل فيما ترتبط به من علاقة نسخية، تفرضها الممارسة المنهجية، وهذا ما جعله يضع القرآن في وضع المتضارب، الذي دعاه أن يتفوه بكلمة الكفر لما قال: ((وجدت كتاب الله ينقض بعضه بعضا!!))، باعتبار أن هذه الكلمة تؤول إلى قوله: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4.
فنخلص، إن عملية التأويل تتطلب توظيف منطق الاستدلال بالمثل على شبهه، في التتبع وإقامة المقارنات والموازنات والملاقحات بين الآيات بهدف تحقيق العلاقة النسخية، النافية للتشابه والمحققة للرؤية المحكمة. بهذا تكون الأحاديث المتآلفة، فيما تقدم، قد أجلت وأوضحت قيمة التناظر والتشابه المنطقية، ودورها في تأسيس وتفعيل العلاقة النسخية المسئولة عن استنباط علم الخطاب القرآني.
ولما كان لكل آية أكثر من نظير وشبيه، لفظي أو معنوي، فان ذلك يعني أن للآية أكثر من أصل محكم، كل أصل يصرفها إلى وجه مغاير، فكان من شأن ذلك؛ أن ينتج ظاهرة تكثُّر الوجوه، وهي الظاهرة التي إذا استطاع المرء الدارس للفقه، في الصدر الأول، أن ينتجها، فانه بذلك يثبت بلوغه مرتبة الفقه كل الفقه، وأصبح جديرا بلقب فقيه راسخ في العلم، بشهادة الرسول الذي عرَّف الفقيه بالقول:((لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة)) ، فنفهم أن الفقه هو تصريف للقرآن على وجوه، وان المسلم مشروط تأهله لممارسة الفقه بتمكنه من القدرة على تصريف خطاب القرآن على وجوه كثيرة، فمع بلوغه هذه القدرة يكون قد انطبق عليه تعريف الرسول، وبذلك صار جديرا بالفقه، ومن دون امتلاك هذه المقدرة يصبح ادعاء الفقه والفقاهة ادعاء لا دليل عليه.
ولما عرفنا أن الرسول(ص) قد قال:((ومن أفتى الناس وهو لا يعرف الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك))، فبمقارنة ذلك مع قوله(ص):((لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة))، يتضح أن الفقيه هو الذي يمارس الإفتاء، فالفقيه هو المفتي، وان الموضوع في كلا الحديثين متفق، فلما كان الفقيه المفتي من جهة لا يكون كذلك حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة، ومن جهة أخرى، لا يتسنى له ممارسة الفقه والإفتاء حتى يعرف أركان علم الفقه والفتوى، التي تتلخص بالمحكم/ المتشابه أو الناسخ/ المنسوخ، فمن شان ذلك أن يجعل عملية تأويل القرآن على وجوه تؤسس على المعرفة بركائز الفتوى المتشابه/المحكم، وما تنشأ بينها من علاقة مرجعية، فيها ينسخ المحكم تشابه المتشابه، ويؤوله ويصرفه على وجوه كثيرة، يجمع هذه المحصلة للحديثين الخبر عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ: ((أَنَّ عَلِيّاً (ع) مَرَّ عَلَى قَاضٍ فَقَالَ: أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: هَلَكْتَ وأهلكْتَ، تأويل كل حرف في القرآن على وجوه)) . رابطا بين المعرفة بالناسخ والمنسوخ وبين تصريف الكتاب على حروف ووجوه كثيرة.
إذن نستنبط، أن المتشابه الذي يرتبط بالمحكم بعلاقة الفرع بأصله هو المسئول عن تأسيس مبدأ تأويل وجوه القرآن، حيث مبدأ التماثل والتناظر اللفظي والمعنوي يفرض وجود أكثر من نظير يشكل أصلا محكما يرجع إليه الفرع، مما يترتب على ذلك تأويل الخطاب على وجوه ومعان كثيرة:

وهكذا يتضح؛ إن إتباع التماثل وإجراء المقارنات بين النظائر من الآيات يتوخى تأويل الآية التي تشكل مطلع البحث، بناء على ما تمليه النظائر والأشباه المحكمات، فتُجرى الإبدالات النسخية على الآية قيد البحث تبعا لتلك الإملاءات، التي يقررها النظير على النظير..

الباطن والظاهر


يوصف الخطاب القرآني بتراكب حقيقتها المعرفية من وجهين، فثمة وجه ظاهر وآخر باطن، يدل على ذلك ضمنا قوله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبروا آياته)29/38، فالتدبّر كلمة مشتقة من الدِّبر، وعليه فالتدبر يستهدف الوصول إلى الجانب المُدْبر، أي الوجه الآخر الكامن وراء الوجه الظاهر، أو الوجه المكنون الذي فيه تتجوهر حقيقة علم الخطاب، والذي يعبر عنه الكتاب بالقول: (انه لقرآن كريم، في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، تنزيل من رب العالمين)77-80/56، فالجانب المكنون هو الجانب الذي تكمن فيه الكنوز المعرفية، التي تُفصِّل شذرات المعرفة، التي تشغل المساحة الظاهرية للخطاب القرآني، وتمنحها عمقها المفقود. لذلك كان النشاط العقلي والفاعلية الفكرية المتخذة من النسق الإشاري القرآني موضوعا لها، لا تقف عند الوجه الظاهر من النسق، إلا بمقدار ما يدلها على الجانب المكنون منه. لذلك أطلق على تلك الفاعلية الفكرية اسما مشتقا من غاياتها، فهي عملية تدبر، واستكناه لمكنون الخطاب. ما يعني أن ثمة وجها يقع قبال البصر والإدراك، فهو وجه ظاهر ومباشر، ووجه أخر مستدبر يقع فيما وراء الجانب المبصر أو المدرك، فهو الوجه الباطن أو غير المباشر. هذه الحقيقة يقرر القرآن تميز خطابه بها، في عبارة لا تقبل المراء ولا الجدل، بقوله تعالى: (فلا أقسم بما تبصرون، وما لا تبصرون، إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون، تنزيل من رب العالمين)38-43/69، فالآية تفتتح بأن ثمة جانبا قابلا للإبصار وآخر غير قابل للإبصار، ثم تقرر أن ذلك هو قول الرسول، الذي هو القول المنزل من رب العالمين، أي القرآن الكريم. وبهذا يتعين انقسام الحقيقة المعرفية للخطاب القرآني إلى وجه ظاهر وآخر باطن، وقد أيدت أحاديث السنة النبوية ذلك:
ý قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص): ((هُوَ كِتَابٌ فِيهِ تَفْصِيلٌ وبَيَانٌ وَتَحْصِيلٌ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، وَلَهُ ظهر وبطن فَظَاهِرُهُ حُكْمٌ وَبَاطِنُهُ عِلْمٌ، ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ)).
ý عن الإمام علي، قال: إني سمعت رسول الله(ص) يقول: ((ليس من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن، وما من حرف إلا وله تأويل: (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ))).
ý عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ (ع) فِي حَدِيثٍ قَالَ: ((إِنَّ الْقُرْآنَ لَهُ ظهر وبطن)).
ý قال ابن عباس: ((أن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها إلا وله ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب (ع) علم الظاهر والباطن)).
وهي الأحاديث، التي أثبتناها حين كشفنا عن سندها القرآني بالإشارة إلى الآيات القرآنية الآنفة الذكر، الدالة على وجود جانب مبصر ظاهر من الخطاب وأخر غير مبصر باطن، وهو أمر لا يقبل الشك.
إن وجوه الآية تعني دلالاتها ومعانيها المتعددة، والوجوه تنقسم إلى ظاهرة وأُخر باطنة. وهذا التقسيم نسبي يستند إلى إبراز نظم الخطاب (السياق) لبعض وجوه الآية وإخفائه لأخرى، في عملية خداع قائمة على الإظهار والإبطان، الإبراز والإخفاء. فالمعنى الذي أظهره خطاب الآية هو الوجه الظاهر لها، والمعنى الكامن وراء الوجه الظاهر الذي يشغل الآية هو الوجه الباطن، والذي يظهر حال إيجاد التحول في المنظومة المرجعية، التي يمثلها نظم الخطاب، أو عند كسر سلطة الخطاب الناسخة، حيث للخطاب سلطة تتجلى في إبطالها وجوه وإثبات وجوه أخرى.
وعملية إرجاع الآية المتشابهة إلى الأخرى المحكمة، تؤدي إلى صرف الآية من وجه لآخر، والعبور من الظاهر إلى الباطن، حيث يمثل الظاهر الآية المتشابهة، بينما يمثل الباطن الآية المحكمة. مما يعني أن عملية (الإرجاع – العبور) تعني تعدد مرجعية نظائر الآية بتعدد أصولها المحكمات، مما يعبر عن تعدد وجوهها بعدد أصولها. حيث كل نظير يخلق مرجعية تحكم الآية المشتبهة في وجه غير بقية الوجوه، التي تقررها النظائر الأخرى. إلا إن بعض النظائر يمكن أن تصرف الآية المشتبهة إلى وجه مرادف يؤكد الوجه الظاهر، بينما تصرفها أغلب النظائر إلى وجوه باطنه، يؤول إليها ذلك الوجه الظاهر، سواء أكان متشابها أو في مقام المتشابه. فعملية نسخ التشابه هي عملية تصريف للآية على وجوهها غير النافدة، وان عملية الرجوع من المتشابه إلى المحكم هي عملية العبور من الظاهر إلى الباطن ذاتها، فذلك يأتي في إطار تصريف عناوين عملية البحث .
ويترادف تقسيم الظاهر/ الباطن مع تقسيمات أخرى، وردت في التراث، من تلك التقسيمات التنزيل / التأويل، حيث يطلق على الوجه الظاهر لفظ التنزيل، وعلى الوجه الباطن إسم التأويل. وفي هذا الإطار يقول الإمام الصادق(ع): ((ظهره تنزيله وبطنه تأويله)). وتسمية الظاهر بالتنزيل باعتبار أن الخطاب القرآني اشتهر باسم التنزيل، وكان ينظر إليه بما ظهر منه، فتلازمت تسمية الظاهر بالتنزيل. بينما بلحاظ افتقار المعاني الباطنية لمنهج التأويل ليكشف عنها، وجد ترابط بين التأويل والباطن، جعل الباطن يطلق عليه إسم (التأويل). ولما كانت التسمية نسبية أمكن تسمية الظاهر بالتأويل، والباطن بالتنزيل. كما أمكن تسمية الظاهر والباطن كلاهما بالتنزيل تارة، وبالتأويل أخرى، وذلك بناء على الحديث: ((إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها إلا وله ظهر وبطن))، وهو الحديث الدال على تصرف القرآن على وجوه تأويلا، وما ينتج عنه من تعدد لقراءة خطابه لا يخرج تلك القراءات عن قرآنيتها. ومادامت قرآناً في ظاهرها وباطنها، فان القرآن هو التنزيل، فكل الوجوه ظاهرة وباطنة هي تنزيل. ولما كانت الوجوه ظاهرة وباطنة تفتقر إلى التأويل للكشف عن تشابهها، أصبحت كل الوجوه ظاهرة وباطنة توسم بالتأويل، وهو قول الإمام الصادق (ع): ((ظهره وبطنه تأويله)).
تكمن القيمة الكبرى للتأويل في قدرته على تصريف وجوه الخطاب القرآني، وتقليب آياته بين الظاهر والباطن، بين التنزيل والتأويل. لإرساء الخطاب على وجهه الذي فيه الفتوى، المتمثلة في الرؤية أو الحقائق القرآنية المبحوث عنها، فكان الاستفتاء استفهاما، وكانت الفتوى جوابا على الاستفهام.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://www.facebook.com/abokwther118
 
الدرس الثالث في التاويل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى الاسلامي الثقافي العلمي الشامل :: علم التاويل في القران والحديث-
انتقل الى: