المنتدى الاسلامي الثقافي العلمي الشامل

منتدى انصارومحبي ال محمد صلواة الله عليهم اجمعين
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم وبلغ ثوابها لصاحب العصر والزمان الامام الحجة ابن الحسن
قلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً)اللهم صل على محمد واله عددكلماتكpan>

شاطر | 
 

 الدرس الخامس عشر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مديرالمنتدى والمشرف العام
مديرالمنتدى والمشرف العام


عدد المساهمات : 905
تاريخ التسجيل : 14/08/2010

مُساهمةموضوع: الدرس الخامس عشر   2010-10-17, 03:01

التأويل
الضوابط الحدودية والمبادئ الحدّية




إذا كانت الدائرة التأويلية تضيف الآيات إلى بعضها، بصورة تراكمية، وتكون العلاقة بين تلك المتراكمات علاقة متشابه بمحكم، تعبر عن وجود تفسير متبادل بين تلك الآيات، فان تلك المتضايفات في ظل الترادف بين (آيات الله) و(حدود الله)، تعمل عمل الحدود المتبادلة فيقيد بعضها بعضا، من خلال الكشف عن المزيد من التفصيلات التي تفصل الموضوع عن سواه، فالأمر بمثابة أن تطلب قلما، فيتحدد الطلب في هذا لموضوع، ثم تحدد انه ازرق، فتخرج كل الألوان الأخرى من دائرة الاهتمام، ثم تحدد القلم بالحبر، فينفي الأقلام الزرقاء ذات الحبر الجاف، ثم تحدد علامة تجارية لقلم الحبر الأزرق ذاك، وبذلك ننفي كمية أخرى من العلامات التجارية، ثم تحدد سمك رأس القلم، وبذلك تنفي القياسات الأخرى، وهكذا كل وصف يضاف يمثل حد وقيد يؤطر الموضوع ويحصره ويشخصه، بالنسبة للبائع ويعرفه على النوع المراد من الأقلام بكل دقة متناهية. وبذلك يبطل التشابه والالتباس والريب، كلما تقدمت الدائرة التأويلية إلى الأمام وإضافات المزيد من الآيات. فيتشخص موضوع البحث على مستوى النظري والتطبيقي بصورة صارمة وأكيدة تمنع الاختلاف وتقضي على أي إمكانية لنشوب النزاع.

وإذا كانت هناك توصيفات تتناول موضوع البحث، وتمثل في الوقت نفسه الحدود التي تحدده، في الوقت الذي هناك حدود عامة لاتقل أهمية عن الحدود الخاصة، بما تمثله من إطار عام يحكم الحدود الخاصة في المجمل، فيكون الخروج عليها هو تخطي لتلك الحدود، في هذا البحث نتناول الحدود العامة تلك ...

فلكل موضوع يبحث في الإطار القرآني مطلع كمطلع الشمس تشرق منه، وحد كحد الشمس تحد وتكمل به، والذي يهمنا ههنا بحث الحدود، التي نصطلح عليها بالمبادئ الحدية أو الضوابط الحدودية التي تحد كافة البصائر القرآنية وشرط صحة لكافة الرؤى المستنبطة من الكتاب. مما يعني ضرورة ان تراعي عملية الاستنباط تلك الحدود: (أن يقيما حدود)230/2، وكل اختراق أو تجاوز أو مقاربة لتلك الحدود يعتبر عدون يحكم على النتائج بالنقض والإبطال ويوصمها بالظالمة، وعن ذلك يقول تعالى: (تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون)229/2، (تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه)1/65، (تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون)187/2.

وبناء على ذلك، فان الحدود هي الرؤى الإطارية، التي تضبط فاعلية الراسخ في علم الكتاب وتحصن استنباطاته من الشطط: (وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون)230/2، بينما يؤدي الجهل بها إلى تأويلات جزئية يمكن أن تتعارض مع تلك الرؤى الإطارية التي تعمل عمل الضابط، وعن كل ذلك يتحدث الإمام الصادق عندما يشير إلى وجود الآيات الحدية في قبال المطالع: ((مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا ولَهَا ظَهْرٌ وبَطْنٌ ومَا فِيهَا حَرْفٌ إِلَّا ولَهُ حَدٌّ ومَطْلَعٌ))، فتكفل مراعاة المطالع والحدود الوصول إلى شروط الرؤى القرآنية الناضجة، التي تعبرعن الله وهدى الكتاب وروح الإسلام، بينما يعلق الأمام الصادق(ع) على تلك التأويلات المتجاوزة للمبادئ الحدية بالقول: ((بِمِثْلِ هَذَا التَّأْوِيلِ الْقَبِيحِ الْمُسْتَكْرَهِ يَضِلُّونَ ويُضِلُّونَ)).

لقد كانت ممارسة المبتدئين أو الفاقدين المؤهل والخبرة بعلم الكتاب المتعجلين لاستنباط الفتاوى هو احد عوامل ظهور المذاهب التي ظلت بها الأمة وتوزعت طرائق قددا. في وقت كان التوجيه القرآني يقتضي نفي العجلة والتأني، استنادا لقوله تعالى: (لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما)114/20، فالخطاب ينهى عن التعجل الذي يؤدي الى اقتطاف نتائج فجة، مما يعني مطالبته بالتأني والتمهل من اجل أن يستوفي الكتاب منطقه ويزيد المستنبط علما وبيانا، وهو الأمر الذي من شأنه إذا ما تم أن يوصل الرؤية القرآنية قيد التشكل الى حدودها النهائية بصورة تلقائية، عبر الإحالات المتتابعة والانتقالات بين الأشباه والنظائر، فتتظاهر ضوابطها وينتفي الشك عنها.

فالشطط الذي أظهرته بعض المذاهب التي تأولت الخطاب القرآني، وما أنتجته من أحكام خطيرة على مستوى الشريعة أو العقيدة، ناتج عن عدم إلمامها بعلم التأويل باعتباره قواعد وإجراءات، بل باعتباره ضوابط حدية، فلم تبلغ خطوات التأويل مدها لعدم إحاطتها بالرؤى الإطارية التي تشكل المبادئ الحدية التي تشترط لها نتائج الممارسة، باعتبارها، أي تلك المبادئ الحدية مجالا أعلى من الأمان ...

إن التأويلات الجزئية الخاطئة تلك، عندما نصفها بكونها تتعارض مع المبادئ الحدية، فذلك تعبير آخر عن كونها مازالت في طور التشابه، وإنها لم تمنح الكتاب فرصته للنطق بكامل البصيرة الهادية، وتمت مصادرة عطائه اجتزاء ، وتوظيفه في إطار الأهواء أو التصورات الجاهلية التي تعبر عنها. فنحن لسنا مضطرين في كل مرة أن نبحث كل الفتاوى والاستنباطات التفصيلية، لتعيين ما لها وما عليها، بل مطالبون بعد أن أعطينا الإجراءات والقواعد والتطبيقات، إعطاء الإطار العالم الحدودي الذي يرشد تطبيق الإجراءات والقاعد، ونجعل المؤول قادرا على محاكمة النتائج التي ينتجها.

فانصب هدف البحث ههنا على توضيح الإطار القرآني العام من خلال توضيح المبادئ الحدية الأصولية، بهدف ترشيد الفعل الأولى الصادر عن المبتدئين في الاستنباط من القرآن، أو أولئك الذين لم يعضوا على العلم بضرس قاطع. كما يهدف لتوعية الوسط غير المتخصص، ومنحه القدرة على الحكم على النتائج التأويلية التي يتلقاها من خلال تعريفه بالمبادئ الحدودية التي تقوم بدور المعيار الضابط. بذلك نخلق له مرجعية يمثلها إطار كلي يتشكل من مبادئ حدية تتصف بكونها عامة، ومعيارية حاسمة، ينبغي أن تضبط النتائج وتحدها، كما ينبغي لتلك النتائج أن تنتظم بإطارها، فلا تخرج عليها، كي تمتلك شرط الصحة والمصداقية والمشروعية ..

إلا إن هذا العرض للمبادئ والضوابط سوف لن يأتي في إطار الاستقصاء الشامل لها بمقدار ما هو عرض لأهم تلك الضوابط التي تعرضت للاختراق والتجاوز، كما يشير إلى ذلك تاريخ مسيرة التأويل في فكر الأمة ..


1/ ضابط الاعتبار:


الفتوى والنقد تأويلا



يفرض هذا الضابط الإيمان بان للكتاب وجها ظاهرا وآخر باطن، على أساس منهما يشرع الكتاب عملية العبور من الأول للثاني، ومن الظاهر إلى الباطن اعتبارا. فقال يمكن لعملية الاستنباط أن تتجرد من ضابط الاعتبار، ويقرر هذا الضابط الآيات: (فاعتبروا يا أولي الأبصار)2/59، (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم)3/57، (ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، أولم يتفكروا)6-7/30.

بناء على ذلك، ينبغي لكل فتوى أو نقد أن تلتمس مشروعيتها عبر استنباط الحكم من خل استنطاق الكتاب تأويلا. فكان الإمام الصادق يسال دائما من جاءه مستنبطا لرؤى ينسبها إلى القرآن عن مدى إلمامه بعلم التأويل: ((أخبروني أيها النفر ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخة، ومحكمه من متشابهه، الذي في مثله ضل من ضل، وهلك من هلك من هذه الأمة؟ فقالوا: بعضه فأما كله فلا. فقال لهم: من هاهنا أوتيتم، وكذلك أحاديث رسول الله (ص) [وبدأ في حديث طويل يشرح لهم ما غاب عنهم في رؤيتهم فتشابه الأمر عليهم حتى انتهى إلى القول:] فتأدبوا أيها النفر بآداب الله وكونوا في طلب علم الناسخ من القرآن من منسوخة ومحكمه من متشابهه وما أحل الله فيه مما حرّم، فانه أقرب لكم من الله وأبعد لكم من الجهل ودعوا الجهل ودعوا الجهالة لأهلها، فان أهل الجهل كثير، وأهل العلم قليل، وقد قال الله عز وجل: (وفوق كل ذي علم عليم)76/12))().

كما إن النتائج ومستنبطيها ينبغي دائما أن يستعدوا لمواجهة السؤال حول ذلك: أين هذا من كتاب الله؟! ما نطق بهذا كتاب؟! يقرر هذا الضابط الآيات: (أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون)43/12، (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)59/4، وحديث الباقر (ع) أنه قال لأصحابه يوما: «إذا حدثتكم بشيء فاسألوني من كتاب الله، ثم قال في بعض حديثه أن النبي (ص): ((نهى عن القيل والقال: وفساد المال وكثرة السؤال))، فقيل له: يا ابن رسول الله، إني هذا من كتاب الله؟! قال: قوله: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) 114/4،(ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً) 5/4، وقال: (لا تسألوا عن أشياء إن تبدو لكم تسؤكم)101/5))().


2/ ضابط الحق:


الناطقية بالحق، التصديق المتبادل، نفي التقول



إن حكم الكتاب الحق يبين أن الأحكام المستنبطة تأويلا ينبغي أن تقيم الحق وتنفي الظلم وفي هذا السياق لا يمكن إسناد ظلما أو باطلا للكتاب، يقرر هذا الضابط الآيات القرآنية: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا)105/17، وقوله: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، وقوله: (حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل)105/7، وقوله: (لدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون)62/23، وقوله: (وما ينطق عن الهوى)3/53.

من هذا المنطلق فان الأحكام المستنبطة ينبغي أن يوجد في القرآن الشواهد الشاهدة على صدقها من جهة، وان لا يوجد في الكتاب ما يتناقض معها أو يكذبها من جهة أخرى. يقرر هذا الضابط الآيات القرآنية: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه)48/5، حيث نفهم لفظة (الكتاب) الثانية في الآية بمعنى الموضوعات التي يشتمل عليها الكتاب استنادا للنظير: (رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة)2/98، وقد اشتقت من الآية الآنفة أحاديث مثل: ((كتاب الله ... ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض، ولا يختلف في الله، ولا يخالف بصاحبه عن الله))(). ((كتاب الله يصدق بعضه بعضا ولا ينقض بعضه بعضا فسل عما بدا لك)). ففي الخبر: ((سمع النبيّ (ص) قوما يتدارءون في القرآن، فقال: ((إنّما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب اللّه بعضه ببعض، وإنّما نزل كتاب اللّه يصدّق بعضه بعضا ، فلا تكذّبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه)). ((أن الكتاب يصدق بعضه بعضا وأنه لا اختلاف فيه)).

يضاف إلى ذلك، أن إثبات صفة النطق للكتاب: (ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون)62/23، ينبغي أن يفرض اقتصار دور الفقيه على استنطاق الكتاب: (فاسألوهم إن كانوا ينطقون)63/21، ومن هذه الآية اشتق الحدي الوارد عن الإمام علي: ((استنطقوا القرآن))، مما يحدد عمل الفقيه في ترجمة مات ينطق به الكتاب فحسب، والتنزه عن التقول افتراء على الله، يقرر ضابط نفي التقول: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون)169/7، (ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين، إنما يأمركم ... أن تقولوا على الله ما لا تعلمون)168-169/2، (ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين، وإنه لتذكرة للمتقين)44-48/69..

إلا إن من المهم الالتفات إلى أن استنطاق الكتاب يفرض استمراره إلى أن تبلغ الرؤية حدودها بوصولها إلى مبادئها الحديثة، وان من جملة التقول المبطن أن يقطع منطق القرآن ويكتفي بنتيجة متشابهة، مثال ذلك عندما ينطلق احدهم من الحديث: ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا))، ثم ينتقل إلى نظيرها القرآني: (الذي جعل لكم الأرض فراشا)22/2، فيلاحظ أن الأرض عرفها الحديث بكونها مسجدا، ثم عرفتها الآية بكونها فراشا، فنتج معه جواز السجود على كل ما يفرش على الأرض.

إلا أن هذه النتيجة مجتزأة، ومازالت في طور التشابه، باعتبار هناك النظير : (المسجد الحرام)1/17، الذي يدل على أن موضع السجود من الأرض قد يكون حراما، يكمل هذا المعنى النظير: (فجعلتم منه حراما وحلالا)59/10، فثمة مسجد من الأرض يتصف بحرمة السجود عليه وأخر بحلية السجود عليه.

والمتابعة للنظائر تكشف أن المأكول والملبوس، الذي منه الفراش، مما لا يجوز السجود عليه، حيث إرجاع: (المسجد الحرام)1/17، إلى النظير: (حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم)160/4، يصرف وجه (المسجد الحرام) إلى وجه أخر هو (الطيبات) التي تفسر بالطعام: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)32/7، وبالثياب في النظير: (أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة)60/24، لتكون النتيجة ان المسجد المحرم منه المأكول والملبوس، التي هي طيبات محللة على مستوى الأكل واللباس، إلا إنها محرمة على مستوى السجود ...


3/ ضابط انسجام:


علاقة الكتاب والسنة



­فحوى هذا الضابط انه لا يمكن القول بان السنة النبوية جاءت ببيان زائد عن الكتاب، مثال ذلك: القول بأن السنة الشريفة لم تأت بحكم الرجم، أو بالتلاعن عند نفي ابن الزنا. وقد دللنا في غير هذا الموضع على قرآنية حكم الرجم، كما دللنا على قرآنية الحكم بنفي ابن الزنا تلاعنا.(للمزيد راجع كتابنا: التأويل، منهج الاستنباط في القرآن).

كما لا يمكن القول أن الكتاب نطق بما يخالف ما نطق به الرسول وأوصياءه من الحق، بل لابد دائما أن يشهد على القح الذي أتوا به. وهذا ملا يتعارض مع دور الكتاب على نفي ما لم يصدر عنهم من الموضوعات، يقرر هذا الضابط الآيات: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب)7/59، (ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى)2-4/53، (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)59/4.


4/ ضابط التوحيد


ألوهية الخالق وعبودية المخلوق



إن المستنبطات ينبغي أن تنسجم مع عقيدة التوحيد، التي يقررها الكتاب، وعليه ترفض كل التأويلات التي تحاول أن تربب المخلوق وتمنحه مقام الألوهية، بصورة صريحة أو ضمنية كما في حالة إعطاء البشر صفت الخالق الخاصة مثل الكمال. ويأتي في هذا السياق رفض الاستنباطات التي تنقض عبودية المخلوق، ومنها تلك التي تحاول أن تسقط العبادات: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدوني، وقالوا اتخذ الرحمان ولدا سبحانه بل عباد مكرمون)25-26/21، (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوني)56/51، (لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير)2/11، (لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم)26/11، (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله)83/2، (ألم ترى أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء)18/22.

ويترتب على كل تجاوز لعبادة الله، عز وجل، إلى عبادة المخلوق الوقوع ف عبادة الشيطان العدو القديم: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين، وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم)60-61/36، (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمان فتكون للشيطان وليا)44-45/19، (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا،إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا، لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا، ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا، يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا،أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا)116-121/4.

فتأليه النصارى للنبي عيسى أو تأليه طائفة من المسلمين الإمام علي نظير عيسى(ع) في الدائرة الإسلامية يتناقض مع مبدأ ألوهية الخالق وعبودية المخلوق، الذي يستند إليه الرد القرآني: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون)31/9 ، وكل التأويلات لإثبات هذا الشرك تعتبر اعتباطية ومن المتشابهات، وفيها تجاوز للتأويل المنهجي السليم والمنضبط ..

ويجري في الإطار ذاته، إسقاط بعض المتصوفة العبادات استنادا لقوله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)99/15، حيث رأوا أن الخطاب القرآني يجعل العبادة وسيلة لغاية هي اليقين، وعندما تؤدي الوسيلة غرضها يستغني عنها، على حد قولهم. فكان من شأ، هذا التأويل أن يجعل لأقطاب الصوفية الزاعمين بلوغ اليقين ترك العبادات. يعد هذا الطرح من التأويلات الاعتباطية، ومن الشبهات والمتشابهات، والذي يكشف خلل هذا التأويل. إن الله أمر بالعبادة وجعل غايتها اليقين، ومن العبادة الصلاة، (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري)14/20، وقد أمر الله الذين وصلوا إلى اليقين وهم الأنبياء بالتعبد والصلاة على امتداد العمر، فهذه وصية الله لعيسى بن مريم: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا)31/19.

كما يمكن الفهم من الآية الأخيرة، إن العبادة هي الحياة، المتعينة باليقين، وان إسقاط العبادة هو إسقاط للحياة، أي اليقين. يعالجه الله بالحكم على مسقط العبادات بالموت، حماية للحياة التي تمثلها العبادة.


5/ضابط خاتمية النبوة:



إن التأويل الصائب للكتاب، لا يمكن أن يؤدي لنتيجة تزعم بقاء باب النبوة مفتوحا، بعد إن ختم الله النبوة بمحمد، إذ قال تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما)40/33، فقد ختم الله النبوة، وجف المدد وارتفعت الصحف فيما يتعلق بهذا الشأن.

إلا أن الوحي لم يكن يقتصر على وحي النبوة، الذي ذكره قوله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا)163/4، حيث هناك وحي الهام: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون)68/16، ومثله: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم)7/28، (وهناك وحي الرمز والإشارة التي تشير إليه المقارنة بين الخطابين المتعلقين بمشهد واحد من قصة زكريا: (فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا)11/19، أي إشارة إليهم، لقوله تعالى: (ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا)41/3، وهناك وحي أمر قال عنه تعالى: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي)111/5. فأمر الله الحواريين ونهاهم وحيا ...

بناء على ذلك، فان الوحي الذي نجده في واقع الأوصياء والأولياء المخلصين لا ينطبق عليه وحي النبوة، وإنما هو وحي الأمر، الذي عاش تجربة الحواريون، وهو الوحي ذاته الذي تعرض له الزهاد والأوصياء من آل محمد، والذين اصطلحوا عليه بالتحديث، كما في قول الصادقين: ((نحن اثني عشر محدثا))، ودعوا حوارييهم لتحصيله بالزهد: ((إني أحب أحدكم أن يكون محدثا))، وقد دعا إليه الرسول من قبل عندما قلا: ((هل منك من يريد أن يؤتيه الله علما بغير تعلم، وهديا بغير هداية؟! ألا انه من زهد في الدنيا، وقصر أمله فيها، أعطاه الله علما بغير تعلم، وهديا بغير هداية!!!))(). فظاهرة الوحي والتحديث هي التي سلط عليها القرآن الضوء عن كثب من خلال قصة العبد الصالح رجل سورة الكهف، عندما قال العبد الصالح عما فعل: (وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا)82/18، وهي المقولة التي يفسرها النظير: ( عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون)26-27/21، فكان الوحي الذي تعرض له العبد الصالح هو الوحي المصطلح عليه بوحي الأمر أو التحديث .


6/ ضابط المسؤولية والحساب:



إن كل الأحكام التي تستنبط تأويلا، ينبغي أن تحمّل الأمة المسؤولية: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى)36/75، (وقفوهم إنهم مسئولون)24/37، وذلك ينطوي على نفي النظرة العبثية للحياة: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)115/23، كما يمتد هذا الضابط ليثبت القيامة ويوم الحساب، بحيث لا يمكن نفي اصل الميعاد بحال.

وبناء على ذلك، فان أي تأويل يخلي الإنسان من المسؤولية أو يحاول التشكيك بيوم الميعاد هو تأويل لغو غير جدير بالاعتبار.

ويمكن إدراج الأمثلة الآنفة التي حولت فهيا بعض التيارات المذهبية التي اعتمدت التأويل الاعتباطي في إسقاط العبادات أو استحلال المحرمات، تحت هذا الضابط وهذا العنوان، باعتبار أن تكل الأمثلة تفيد أن أصحابها أرادوا أن يخلو أنفسهم من المسؤولية، ويمكنوا لهواهم بحجج هي اوهن من بيت العنكبوت ...


7/ ضابط العدل ونفي الفحشاء:



إن كل الأحكام التي تستنبط تأويلا ينبغي أن تحقق العدل والقسط وتقوم على نفس الفحشاء والنهي عن المنكر والبغي. بعبارة أخرى، ينبغي أن لا تحلل ظلما لا تشرعن بغيا، ولا تأمر بفحشاء ولا تسوغ منكرا، بل تدعو إلى العفة والخلق العظيم، وتحرض على الالتزام بكل ذلك. يقرر هذا الضابط الآيات القرآنية التالية: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ... وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)90/16، (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون، قل أمر ربي بالقسط)28-29/7، وقد وصف الكتاب الرسول الخاتم محمد (ص) بالقول: (وإنك لعلى خلق عظيم)4/68، حيث الكتاب والذكر اسمان مشتركان بني الرسول والقرآن، لذلك يعتبر الرسول قرآنا ناطقا وترجمانا، لذلك ورد في الخبر الموصف لخلق الرسول بالقول: ((كان خُلُقُه القرآن)).

فأي استنباطات تعتمد التأويل منهجا، تحاول أن تأمر بالسوء والفحشاء والمنكر تعد ممارسة اعتباطية، وليس تأويلا ممنهجا. وبذلك تخرج من دائرة الرحمن الآمر بالعدل والإحسان والناهي عن السوء والفحشاء، وتقع في دائرة الشيطان: (يا أيها الناس ... لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين،إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)168-169/2.

في هذا السياق يمكننا بكل يسر أن نحاكم فتوى القائل إن المرأة المستمتع بها، الزواج المؤقت، يمكن أن تبيح لنفسا أن يتمتع بها أكثر من طرف على التوالي ف يظرف ساعة أو سعات دون الفرج ثم يتمتع بها الأخير الدخول بها، باعتبار أن المستمتعين الأوائل لا يوجبون على تلك المرأة العدة متوقفة على الدخول بها. نرد بالقول: لا يحل هذا الفعل،، وهو حرام قطعا. باعتباره يضع المرأة في وضع مرتكبة الفحشاء المسافحة، وكذلك يسري الحكم على الذكور الفاعلين، ويفسح المجال للمعادلة بين المتعة والبغاء، فيختلط الحلال بالحرام، والمتعة بالبغاء. في وقت يقول فيه الله تعالى: (محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان)25/4، وهو ما يجعل الكتاب الكريم ف يوضع الآمر بالسوء والفحشاء. بناء على ذلك، فان ضابط نفي الفحشاء الذي يتضمن ضابط الالتزام بالعفة، يحرم هذا الفعل المنكر والفاحش الذي قد استند إليه بعض أدعياء الفقه من أهل الرأي، اعتمادا على بعض الآيات التي تعد بإغفالها هذا الضابط الحدي في وضع المتشابه الذي لا يعمل به .. نورد هذا المثال رغم انه لا يستند إلى دائرة الفقه المعتمدة للتأويل، وإنما لدائرة الفقه المستند القياسات الرأي وشططها...


8/ ضابط التقوى:



إن الأحكام المستنبطة ينبغي أن تلتزم ضابط التقوى، وكل تأليف لآيات الكتاب يتجاوز هذا الضابط يعد منتقضا، يدل على ذلك قوله تعالى: (إنما يتقبل الله من المتقين)27/5، (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين)109/9، والمثال النموذجي للتأويل الخاطئ الذي يتعارض مع هذا الضابط، ما يرويه الخبر عَنِ الصَّادِقِ (ع) فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ: ((إِنَّ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ وأُعْجِبَ بِرَأْيِهِ كَانَ كَرَجُلٍ سَمِعْتُ غُثَاءَ الْعَامَّةِ تُعَظِّمُهُ وتَصِفُهُ فَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْرِفُنِي فَرَأَيْتُهُ قَدْ أَحْدَقَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ غُثَاءِ الْعَامَّةِ فَمَا زَالَ يُرَاوِغُهُمْ حَتَّى فَارَقَهُمْ ولَمْ يَقِرَّ فَتَبِعْتُهُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَرَّ بِخَبَّازٍ فَتَغَفَّلَهُ فَأَخَذَ مِنْ دُكَّانِهِ رَغِيفَيْنِ مُسَارَقَةً فَتَعَجَّبْتُ مِنْهُ ثُمَّ قُلْتُ فِي نَفْسِي لَعَلَّهُ مُعَامَلَةٌ ثُمَّ مَرَّ بَعْدَهُ بِصَاحِبِ رُمَّانٍ فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى تَغَفَّلَهُ وأَخَذَ مِنْ عِنْدِهِ رُمَّانَتَيْنِ مُسَارَقَةً فَتَعَجَّبْتُ مِنْهُ ثُمَّ قُلْتُ فِي نَفْسِي لَعَلَّهُ مُعَامَلَةٌ ثُمَّ أَقُولُ ومَا حَاجَتُهُ إِذاً إلى الْمُسَارَقَةِ ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَتْبَعُهُ حَتَّى مَرَّ بِمَرِيضٍ فَوَضَعَ الرَّغِيفَيْنِ والرُّمَّانَتَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ فِعْلِهِ فَقَالَ لَهُ لَعَلَّكَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قُلْتُ بَلَى فَقَالَ لِي فَمَا يَنْفَعُكَ شَرَفُ أَصْلِكَ مَعَ جَهْلِكَ فَقُلْتُ ومَا الَّذِي جَهِلْتُ مِنْهُ قَالَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ومَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وإِنِّي لَمَّا سَرَقْتُ الرَّغِيفَيْنِ كَانَتْ سَيِّئَتَيْنِ ولَمَّا سَرَقْتُ الرُّمَّانَتَيْنِ كَانَتْ سَيِّئَتَيْنِ فَهَذِهِ أَرْبَعُ سَيِّئَاتٍ فَلَمَّا تَصَدَّقْتُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا كَانَ لِي أَرْبَعُونَ حَسَنَةً فَانْتَقَصَ مِنْ أَرْبَعِينَ حَسَنَةً أَرْبَعُ سَيِّئَاتٍ وبَقِيَ لِي سِتٌّ وثَلَاثُونَ حَسَنَةً فَقُلْتُ لَهُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَنْتَ الْجَاهِلُ بِكِتَابِ اللَّهِ أَ مَا سَمِعْتَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ إِنَّكَ لَمَّا سَرَقْتَ رَغِيفَيْنِ كَانَتْ سَيِّئَتَيْنِ ولَمَّا سَرَقْتَ رُمَّانَتَيْنِ كَانَتْ أَيْضاً سَيِّئَتَيْنِ ولَمَّا دَفَعْتَهُمَا إلى غَيْرِ صَاحِبِهِمَا بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِمَا كُنْتَ إِنَّمَا أَنْتَ أَضَفْتَ أَرْبَعَ سَيِّئَاتٍ إلى أَرْبَعِ سَيِّئَاتٍ ولَمْ تُضِفْ أَرْبَعِينَ حَسَنَةً إلى أَرْبَعِ سَيِّئَاتٍ فَجَعَلَ يُلَاحِظُنِي فَانْصَرَفْتُ وتَرَكْتُهُ قَالَ الصَّادِقُ ع بِمِثْلِ هَذَا التَّأْوِيلِ الْقَبِيحِ الْمُسْتَكْرَهِ يَضِلُّونَ ويُضِلُّونَ)).

لقد مارس الرجل تأويلا يقوم على فهم هذه الآية بعيدا عن النظائر الحدية، فيسرق ثم يتصدق بالمسروق، مستندا إلى القرآن! حيث بناء على عملية حسابية بسيطة تستند إلى الآية المشار إليها يطرح أربع سيئات بلحاظ السيئة بمثلها، ن أربعين حسنة بلحاظ أن الحسنة بعشر أمثالها، لتكون المحصلة النهائية ستة وثلاثين حسنة، وربما لو انتبه هذا الرجل البسيط للنظير: (إن الحسنات يذهبن السيئات)114/11، فان تصدقه بما سرق يعد حسنة يفترض أن تذهب بالسيئات التي قام بها، فله أربعون حسنة، وقد عفى الله عن السيئات الأربع.

إلا إن هذا التأويل باطل استنادا لقوله تعالى: (إنما يتقبل الله من المتقين)27/5، حيث ينبغي أن يكون تأسيس العلم على قاعدة التقوى، وتقتضي هذه القاعدة عند جريانها في الإنفاق أن يتصف المال المنفق بكونه طيبا حلالا، لا خبيثا حراما، ولا فان الله غنيا وفي ذلك يقلو تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد)267/2، (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم)92/3، يترتب على ذلك، إن الرجل عندما سرق فان المال المسروق يعد خبيثا غير طيب، وحراما غير حلال. وعندما تصرف بما ليس له إنما بذلك يزداد إثما، إذ تصرف بمال الناس بغيا، دون تخويل منهم، فلم يكن محسنا. وقد قال تعالى: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم)42/42. وإذا ما احتسبت تلك الصدقات، فإنها تدخل في ثواب أصحاب المال الحقيقيين، الخباز الخضار، وليس في رصيد السارق.


9/ ضابط نفي الحرج:



ينبغي للأحكام المستنبطة أن ترفع الحرج، يقرر هذا الضابط الآيات: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)78/22، (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)65/4، ومثاله حكم الطهارة الذي يتحول عند الاضطرار من الطهارة المائية إلى الأخرى الترابية، وتتحول الطهارة المائية من الغسل والمسح إلى طهارة ترابية قائمة على المسح فحسب، وتختصر أعضاء الواجب تطهرها، فيلغى ما حكمه المسح منها في الوضوء، فيقتصر التيمم على ما حكمه الغسل منها، كل تلك الإجراءات التخفيفية تعلل بنفي الحرج، وفي ذلك يقول تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون)6/5.

وفي هذا السياق يصب الخبر: ((روي أن رجلا سأل أبا بكر عن (الحين) وكان نذر ألا يكلم زوجته حينا، فقال: إلى يوم القيامة لقوله تعالى: (ومَتاعٌ إلى حِينٍ)، فسأل عمر فقال: أربعين سنة، لقوله تعالى: (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) فسأل عثمان فقال: سنة، لقوله تعالى: (تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ )، فسأل عليا (ع) فقال: إن نذرت غدوة فتكلم عشية، وإن نذرت عشية فتكلم بكرة، لقوله تعالى: (فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ) ففرح الرجل، وقال: الله أعلم حيث يجعل رسالاته!))().

فكل هذه الفتاوى التي تصرّف (الحين) على الوجوه المشار إليها، ليس فيها بأس، إذ كلها تصريفات صحيحة، إنما الإشكال هو عدم الانطلاق من قاعدة نفي الحرج التي يقررها قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)78/22، حيث هي الحاكمة لعملية اصطفاء الوجوه إذا تعددت، في مثل هذا المورد، ليكون الوجه الحق هو الذي يشرط بقاعدة نفي الحرج، لذلك أفتى أفقه القوم علي بن أبي طالب بالوجه الأيسر النافي للحرج ...

ونجد ما يصادق على ذلك، قضاء الإمام علي ((في رجل نذر أن يصوم حينا، ولم يعين وقتا بعينه، أن يصوم ستة أشهر، وتلا قوله عز وجل: (تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها)، وذلك في ستة أشهر))(). في وقت أن (الحين) هي ستة اشهر بالنسبة لنبتة القمح التي لها موسمين في العام، صيفا وشتاء، بينما الحين بالنسبة للنخلة هو عام، باعتبار أن النخلة تؤتي رطبها كل عام مرة واحدة، وهو الوجه المنتخب لتفسير الحين في بعض الأخبار، كما يدل على ذلك الخبر؛ عن سلام بن المستنير قال سألت أبا جعفر (ع): ((... جعلت فداك قوله تعالى: (تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها)، قال: هو ما يخرج من الإمام من الحلال والحرام في كل سنة إلى شيعته))(). ففسر الحين بالسنة، لكن انطلاقا من القاعدة: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)78/22، أفتى الإمام في نذر الرجل لصوم الحين، بأقل (الحين) بالنسبة للصوم وهو ستة أشهر مرجحا له على السنة، إذ اقل (الحين) النافي للحرج هو الستة أشهر، كما لا يمكن أن يكون (الحين) بمعنى الصباح أو المساء مفيدا، هاهنا، إذ يشترط في الصوم أن يشمل الصباح والمساء. فلا يمكن أن يكون صوم الحين أن تصوم جزء اليوم الصباح أو المساء ..


10/ ضابط رفع المؤاخذة:



هذا الضابط يجعل الاستنباطات والفتاوى لا ينبغي أن تؤاخذ من لم يؤاخذه الله وهم:

1) غير البالغ، والسفيه:

الطفل يعتبر جاهلا سفيها: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا)78/16، ولكن عندما يبلغ الطفل ويثبت رشده بتحمله المسؤولية المالية: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم)6/4، يكون عندها قد انقطع جهله فهو مسئول مكلف مؤاخذ عما يصدر عنه من سوء. بينما إذا لم يثبت رشده عدّ سفيها، لذلك منع الله تعالى أن تدفع إليه أمواله، ويمكن من التصرف فيها لفقده الأهلية، وفرض استمرار الوصاية عليه: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا)5/4، مما يجعل السفيه بمثابة الطفل غير المؤاخذ، وهو ما يعبر عن وجود قصور في الإدراك يمنع من تحقق الرشد.

2) الجاهل:

من الأصناف المرفوعة عنها المؤاخذة، لقوله تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ... فأنه غفور رحيم)54/6، فالجاهل يعد ضالا عن الحق، وهذا الضلال معفي عنه، حيث الضلالة ضلالتان: ضلالة جهل: (واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين)198/2، وضلالة من بعد بيان هادي، وإنما يؤاخذ بإضلال من بعد بيان: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون)115/9، فهنا يبين الله إنهم كانوا ضالين وهداهم ببيانه ويؤاخذهم بالضلال بعد بيان، يؤكد ذلك النظير؛ إن العذاب لا ينزل بالضالين إلا من بعد البيان: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)15/17،ثم يبين غاية الرسول: ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء)4/14، فيحق الهلاك كجزاء للضلال من بعد بيان: (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة)42/8.

3) الناسي والخاطئ:

الناسي والخاطئ مرفوع عنهما المؤاخذة: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ... واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا)286/2، فعلى سبيل المثال لا يؤخذ الصائم عندما يأكل أو يشرب في شهر رمضان نسيانا، وفي هذا الموقف يعد خاطئا، إلا أن خطأه لا يؤخذ به. كما إن من أخطأ في تحديد القبلية وخرج الوقت لا يؤخذ بخطئه هذا وتقبل صلاته إذا ما صلى إلى غير قبلة، ولا يتوجب عليه إعادتها.

4) المجنون:

عرف خطاب القرآن المجنون بالمغلوب: (وقالوا مجنون وازدجر، فدعا ربه أني مغلوب فانتصر)9-10/54، ثم فسر (المغلوب) على أمره: (والله غالب على أمره)21/12، ثم فسر (الأمر) بالعقل والحلم: (أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون)32/52، فالمجنون مغلوب على أمره ، أي مغلوب على عقله، حيث أمر الله متوقف على وجود العقل (الحلم) فإذا فقدت الأحلام المأمورة يمتنع إنجاز أوامر الدين وإجراء الشريعة.

5) السكران:

من الفئات غير المؤاخذة السكران: (وترى الناس سكارى)2/22، باعتبار أن السكر يذهب العقل، وهو ما يقرره النظير: (لقالوا إنما سكرت أبصارنا)15/15، حيث البصر نفهمه على بمعنى العقل بدلالة النظير: (فاعتبروا يا أولي الأبصار)2/59.

6) المسحور:

من المرفوع عنهم المؤاخذة المسحور، الذي غيب السحر عقله: (لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون)15/15.

7) فاقد الوعي:

من المرفوع عنه المؤاخذة، بدليل قوله تعالى: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى)2/22، الذي قد يعد بمثابة السكران، ولم يكن سكرانا، كما تشير الآية سكارى وماهم بسكارى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://www.facebook.com/abokwther118
 
الدرس الخامس عشر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى الاسلامي الثقافي العلمي الشامل :: علم التاويل في القران والحديث-
انتقل الى: